«في تقاليدنا المعمارية تكون الأشكال والأشياء مرآةً لمعنى المادة. أما العوالم الخفية المستترة في جوهر الأشياء فمتروكة لإدراك كل إنسان». بهذه الكلمات يستهل المهندس المعماري محرم حلمي شن ألب حديثه. وشن ألب، الذي يحمل توقيعه كثير من الأعمال والمشروعات في طوكيو وواشنطن وعشق آباد ودبي وبرلين ويكاترينبورغ وغيرها، وفي تركيا أيضًا، هو رائد التيار الذي يعيد تفسير عمارتنا التقليدية آخذًا متطلبات العصر بعين الاعتبار. وقد أجرينا مع السيد حلمي شن ألب، وهو مرجعية ذائعة الصيت عالميًّا في مجاله، حوارًا حول الجوانب المجهولة من عمارتنا.
كيف تقيّمون العمارة التركية الإسلامية التقليدية في تاريخ العمارة العالمي؟
إن الديناميات التي صنعت الخصائص الذاتية لعمارتنا هي نفسها التي أوجدت، إلى جانب العمارة، سائر فروع الفن وأعماله. فجوهر المسألة إنما تشكّله الأسباب التي أوجدتها، أو بتعبير أدق، المؤثرات التي أسست حضارتنا. يقول الفيلسوف الاشتراكي الفرنسي جان ليون جوريس: «التقاليد ليست حفظ الرماد، بل إبقاء النار متقدة». وحين يُنظر إلى العمارة التركية الإسلامية التقليدية بوصفها كلًّا واحدًا، يُدرَك على الفور أنها انعكاس عميق لتصور حضاري مختلف، ولإدراك مختلف للكون، ولوعي مختلف بالوجود. والمسألة التي ينبغي البحث عن جوابها في هذه النقطة هي: كيف تنظر هذه الحضارة إلى الأشياء؟
أي إن المسألة هي مسألة تأسيس أسس هذه الحضارة وتعريفها. وقد جرى التغنّي بذلك والتعبير عنه في حضارتنا في جميع فروع الفن تقريبًا، من أدبها إلى موسيقاها، ومن عمارتها إلى فنون الكتاب فيها. إن الأشياء، أي الموجودات، لا تُظهر حقيقتها بالصورة التي تبدو عليها. ففي الحقيقة إن الأشكال والأشياء والوجود كله مرآة لمعنى المادة. والطبيعة لا تُتأمَّل مباشرة، بل بالإشارة والإحالة. فيُستر الفناء، ويُشار إلى الأبدية. ولهذا السبب تُكتشف في حضارتنا الهندسة الخفية الكامنة في الطبيعة، وتُقدَّم العوالم الخفية المستترة في جوهر الأشياء والهندسة الكامنة في بنائها إلى إدراك الإنسان بأسلوب التجريد. وفي جوهر فنوننا التقليدية كلها، ومعها عمارتنا، تكمن الدينامية الجدلية للأسلبة (التنميط).
لماذا اختيرت كلمة «جامع»؟
إنكم تطرحون هناك دعوى. أي إنكم تجسّدون هناك كل الثقافة والفن اللذين يكوّنان حضارة ما. تجسّدونها بحجرها وترابها وخشبها وزخارفها، وبالرحل الذي تضعونه في الداخل، وبالكتاب الذي تكتبونه، وبموسيقاها الصامتة والمسموعة، وبشكل العبادة فيها، فيظهر بناء يحمل بكل مادته ومعناه جميع قيم حضارة بأكملها. وبهذا الحمل يكتسب الجامع، الذي هو مركز المدينة والحي، وباختصار مركز الحياة بالمعنى العام، هويةَ بناءٍ مركزي يجمع حضارة بأكملها. ومن أول مسجد بُني في المدينة المنورة إلى جامعي السليمانية والسليمية، ثمة تطور وتقدم مستمران في عمارة الجوامع كلها وكذلك في العمارة المدنية.
وهل تشكّلت المدينة أيضًا وفق هذا الفهم؟
نعم، بكل تأكيد. فقلب حضارتنا، الحضارة التركية الإسلامية، هو الجامع. وميدان المدينة هو الجامع. ثم إنه لا توجد عندنا ميادين بالمعنى الغربي كما في روما وميلانو وباريس، كميدان سان ماركو مثلًا. فحضارتنا حضارة الجامع. وميدان المدينة هو صحن الجامع. ولذلك يوجد الصحن. وكان يوجد هناك في الماضي كثير من أرباب الحِرَف، من كاتب العرائض إلى مصلح الأحذية، ومن بائع الصابون إلى بائع المسابح.
لو أردنا أن نضرب مثالًا على هذا التكوين؟
لما كانت حاجات الإنسان كلها تُلبّى في هذا الحيّز، استُعمل مصطلح «الكلية» (المجمّع). فإذا نظرنا الآن إلى بنية المدينة وجدنا الجامع في المركز، وإلى جانبه مدارسه. ففي السليمانية مثلًا توجد المدرسة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وكان يُدرَّس فيها العلوم الوضعية والعلوم الدينية معًا. ويضاف إلى ذلك «دار الضيافة للمسافرين» (طابخانه)، حيث يأتي الضيوف، ويقيم فيها أهل العلم والمختصون القادمون من المدن الأخرى، أي أكاديميو زماننا. فيأكلون من دار الضيافة ومن العمارة (المطبخ الخيري)، ويغتسلون في حمّامها، وفيها دار الشفاء التي يقصدها المرضى، وفيها «أراسته» (سوقها). ففي صورة كلية متكاملة، يوجد هناك تقريبًا كل ما يحتاجه الإنسان والمدينة، وكل ما ينبغي وجوده ليغدو المكان مركز جذب واستقطاب. وبين السليمانية والمدارس المحيطة بها جدار منخفض.
تدخلون من باب الصحن الخارجي فتصلون إلى الحديقة. وفي الحديقة يكون الجامع أمامكم، وأنتم بين الجدار الخارجي والجامع. هناك تنقطع صلتكم بالدنيا على نحو ما، وتدخلون إقليمًا آخر. ثم تنضمّون إلى حلقة ثانية، فتدخلون الصحن الداخلي. وهناك بُعد آخر مختلف: عقود وقباب، وفي الوسط شادروان (ميضأة). ومن هناك تدخلون إلى الداخل، فتلجون الجامع من باب أكثر انخفاضًا، فينفتح أمامكم فضاء مهيب. إن جدار الجامع يرمز إلى الكون بأسره، والعلاقة بين جدار الجامع والإنسان داخله هي نفسها العلاقة بين الإنسان والكون. وهكذا هو الحال في السليمانية، وفي سليمية أدرنة كذلك. كل شيء في موضعه، وقد صُنع وفق تعريف دقيق. أي إنه بُني بمعرفة مهضومة. إنها مبانٍ شُيّدت بالعشق والعرفان.
ما «المقياس» في عمارتنا التقليدية؟
المقياس والتوازن والنسبة والهندسة هي أهم الخصائص الأساسية المكوّنة لعمارتنا. والعنصر الرئيس البارز في المقياس هو الإنسان، ويتشكل بحسب الموضع الذي ينظر منه هذا الإنسان إلى الحياة والأشياء وكيفية نظره إليها. ففي المقياس والانسجام نجد مفهومًا فنيًّا ينسب الكثرة إلى الوحدة بواسطة الأشكال والمتواليات الرياضية، من خلال الهندسة والإيقاعات التي تجد انعكاسها في جوهر المادة. والعمارة في حقيقتها فن يحيط بالكل ويعبّر عنه. ويتجلى فيها إدراك فني مجرد يتجاوز الفن المشخَّص (المحسوس) المعبّر عن الشخصية. وفي فن العمارة يأتي الصوت والصوتيات في المقام الأول. إن فضاء الجامع، وهو أهم أعمال العمارة التقليدية، والحيّز الذي تحيط به جدرانه، تعبير عن الكون بوصفه كلًّا واحدًا. وفي مركز هذا الكون يوجد الإنسان.
هل في أعمال المعمار سنان رموز ومعانٍ تدل عليها الأرقام والأشكال، كما في أعمال دافنشي؟
ليس من الصواب المقارنة بين دافنشي وسنان. فوحدة القياس المستعملة في النِّسَب في جامعي السليمانية والسليمية عند سنان هي الذراع (الأرشين). وحين ندرس النسب في السليمانية والسليمية نجد أن قطر الدائرة المارّة بمراكز الدعامات الثماني الحاملة للقبة في السليمية يبلغ 45 ذراعًا. وفي إطار حساب الجُمَّل (الأبجد) الذي يعبّر عن القيم العددية للحروف في الأبجدية العربية، وهي أبجديتنا القديمة، فإن 45 هو قيمة كلمة «آدم»، أي الإنسان. وحافة القبة على ارتفاع 45 ذراعًا من الأرض، أما هلال المئذنة فعلى ارتفاع 66 ذراعًا منها. و66 بحساب الجُمَّل يقابل اسم الجلالة «الله». وفي السليمانية يقع مستوى منطلق القبة على ارتفاع 45 ذراعًا، وهلال القبة على ارتفاع 66 ذراعًا. فالمقاييس والرموز ذاتها حاضرة هنا أيضًا. يقول الشيخ غالب:
«انظر إلى ذاتك بعين الإجلال، فأنت زبدة العالم،
أنت الإنسان الذي هو إنسانُ عينِ الأكوان».
أي: «لا تستصغر نفسك، فأنت لبّ العالم وزبدته. أنت الإنسان الذي هو حدقة عين الكون». ولذلك بنى المعمار سنان السليمية على دائرة قطرها 45 ذراعًا جاعلًا الإنسان في المركز، وحدد ارتفاع السليمانية وفقًا لذلك. وفي السليمية جعل محفل المؤذنين تمامًا في مسقط القبة، ومقاساته نصف مقاسات الكعبة تمامًا. وكلها حسابات أُجريت عن تدبّر وتفكّر. فالحضارة لا تتشكل بسهولة. ومعلوم أن «تذكرة البنيان» كتبها ساعي جلبي، صديق المعمار سنان، على لسان المعمار سنان. يكتب ساعي جلبي فيقول عن السليمانية:
«صار هذا الجامعُ المتناسقُ كعبةً،
وصارت أعمدتُه الأربعةُ هي الخلفاءَ الأربعة.
وبيتُ الإسلام القائمُ على أركانٍ أربعة،
بالخلفاء الأربعة نال الرسوخ والإحكام.
وأرجو أن يكون لهذا العبد الباكي،
بماء وجوههم شفاءٌ ودواء».
وجاء في النص: «وقد صار مثالَ "الحبيب المختار" (سيدنا محمد) الذي هو قبة الإسلام مع الخلفاء الأربعة (چهار يار)». أي يقول: صار هذا الجامع على مثال الكعبة، وأُقيم هنا على أربعة أعمدة؛ فتُنسب القبة والدعامات الأربع (أرجل الفيل) إلى سيدنا محمد والخلفاء الأربعة الأوائل للإسلام. وحين ندرس هذا الوصف بحساب الجُمَّل نجد أن أبا بكر يقابل 231، وعمر 310، وعثمان 661، وعلي 110، ومجموعها 1312. فإذا قسمتم هذا المجموع على أربعة حصلتم على 328. وإذا أضفنا إليه 92، وهو قيمة اسم «محمد»، صار 420. أي إننا نصل إلى العدد 420، وهو القيمة الأبجدية لكلمة «چهار يار»، وقد صرّح سنان بذلك في النص صراحة وأملاه بنفسه على ساعي جلبي. فلا يمكن لشاعر أن يعرف مثل هذه التفاصيل.
وهذا يكشف كيف همس سنان بالحضارة التي تحدثنا عنها قبل قليل. فالحجر الذي استعمله هناك يخرج عن كونه مجرد حجر، وتغدو تلك الحجارة ناطقة. وقد كُتبت في القبة الرئيسة الآية التي اختارها من القرآن الكريم، وهي الآية الحادية والأربعون من سورة فاطر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. وهنا يُقدَّم تعريف للكون، ويُؤكَّد أن جدار الجامع رمز للكون. وتُكتب هذه الآية في أعلى نقطة منه، أي إنه يعبّر عن سعيه إلى بناء نموذج مصغّر لهذا العالم بوصفه مثالًا للكون (الكوزموس).
52 درجة
حين يُنظر إلى صورة السليمانية الظلية من الأمام، ويُرسم خط من كل جانب من جانبي الجامع على الأرض إلى الهلال الذي يعلو قبة الجامع، يتبيّن أن الزاوية التي يصنعها الخط مع الأرض هي 52 درجة. فما هي زاوية الـ52 درجة؟ إذا أخذتم حفنة من الرمل في يدكم وتركتموها تنساب ببطء، فإن الزاوية التي تشكلها مع المستوى الأفقي بتأثير الجاذبية تكون أيضًا 52 درجة. وبذلك يحقق المتانة ومقاومة الزلازل.
العمارة والأسلوب
يقول غوته: «العمارة موسيقى متجمدة»، ويقول الفيلسوف الصيني تاو-تي: «المقصود من العمارة هو الفراغ الكائن داخل جدار البناء»، أي الفضاء. ويقول المعمار سنان في «تذكرة البنيان»: «إن قِباب ذلك الجامع الشريف كحَبابِ (فقاعات) بحرِ اللطافة». فلنتأمل هذه الأقوال من منظور فلسفة الوجود: ماذا يريدون أن يقولوا؟ لا شك أن المقصود ليس تلك المباني التي تشبه مكبّات المساكن الفاخرة التي بلغت حدّ الجنون في المدن الكبرى، أو تشبه شواهد القبور في مقبرة…
العمارة التركية التقليدية وأسرار الأعداد، مجلة Skylife (كانون الثاني 2011)







