
الصور: مصطفى أقصاي
إن التقليد الذي بدأ بهجرة سيدنا آدم وأمّنا حواء إلى الدنيا، واستمر بهجرات سيدنا نوح وسيدنا لوط وسيدنا صالح، وسيدنا إبراهيم القائل: «إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي» (أي: أنا المهاجر) (العنكبوت، 26)، وسيدنا يوسف وسيدنا موسى وسيدنا يونس، وأخيرًا بهجرة نبيّنا ﷺ، قد تجلّى في رحلة الصحابة الأوائل، وهم المهاجرون الأوائل، من مكة إلى الحبشة التي كانت مدينتهم، وفي هجرة سيدنا أويس القرني، وهجرة إبراهيم بن أدهم، وفي هجرة حضرة محيي الدين بن عربي من الأندلس إلى قونية والشام، وفي حضرة مولانا (جلال الدين الرومي) على هيئة هجرة عشق ومحبة من بلخ، التي كانت مكّتهم، إلى قونية، التي كانت مدينتهم. وإلى جانب هجرة نبيّنا ﷺ من مكة إلى المدينة، فإن حادثة المعراج أيضًا هجرة حقيقية بمعناها الكامل.
لقد أظهر الحقّ تعالى لنبيّنا ﷺ في المعراج تارةً جلالَ أحديّته، وتجلّى تارةً بجمال صمدانيّته.
وبتعبير حضرة إسماعيل حقي البروسوي:
« … وإلّا ففي مقام المشاهدة لا حائل لهم أينما كانوا. ومن هذه الجهة كان معراج جناب النبوة (ﷺ) لسير الآيات الملكوتية، وإلّا فقد كان قادرًا على مشاهدة الجمال وهو في حجرته الشريفة.»[1]
ويُروى أن حقيقة حادثة «الوقوف بختم القدم»، وهي من آداب الطريقة، قد وقعت في المعراج. «لمّا بلغ النبي ﷺ في المعراج مقام ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾، وجاوز بالرفرف سبعين ألف حجاب، ووقع في حال السماع والاستغراق في رؤية الله، خاطبه حضرة الواجب تعالى قائلًا: «قف يا محمد!». فلمّا سأل الرسول ﷺ: «لا موضع للوقوف، فأين أقف؟» قال الله تعالى: «قف واضعًا قدمك اليمنى على قدمك اليسرى». فأطاع نبيّنا ﷺ هذا الأمر. ولهذا يتّبع الدراويش سنّة النبي ﷺ بالوقوف «مختومي القدم في الدار»، أي بوضع القدم اليمنى على القدم اليسرى.»[2] وفي هذه الحادثة التي وقعت في المعراج، صارت الأحمدية أرضيةً للمحمدية، وتقدّمت المحمدية على الأحمدية بنيلها رؤية الله. وانفتح طريق من عالم الإمكان وعالم الناسوت، ذي الزمان والأرضية، إلى عالم اللاهوت الذي لا زمان له ولا مكان ولا أرضية، وعلى هذا النحو وقع المعراج والوصال في مقام قاب قوسين. و«النظر على القدم» في التصوف هو أيضًا بسبب هذا السرّ.
وقد ترنّم فريد كام بك بهذا السرّ في حادثة المعراج بهذه القطعة:
لو أنّ قلمَ القدرة جاء لك بمثيلٍ
لكنتَ بيتَ القصيد في منظومة العالم
إنك المصراع البارز في صنع الله منذ الأزل
فبقيتَ بفردانيّتك في ديوان «كُن فيكون».
في ليلة المعراج أخذ جبريلُ نبيَّنا ﷺ من بيت أمّ هانئ الذي لجأ إليه بعد عودته من الطائف، وذهب به إلى الحرم الشريف. فوُضعت على ظهره خرقة من نور، وأُلبس إياها هناك، وشُدّ وسطه بحزام من الياقوت، وأُعطي عصا ونعلين من الزمرد. وتوضّأ من بئر زمزم، وطاف بالكعبة سبع مرات، وصلّى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم جاء إلى الحطيم فجلس، ومن هناك أتى بيت المقدس في القدس فبدأ العروج. وقد ألبس جبريلُ عليه السلام رسولَ الله ﷺ في الكعبة لإظهار خلافته ونبوّته. وأخذُ السالك الخلافةَ وإلباسُه الخرقة (اللباس) في الطرق الصوفية إنما يُطبَّق اتّباعًا لهذا التقليد[3].
وقد أمّ فخرُ الكائنات نبيّنا ﷺ قبل المعراج جميعَ الأنبياء في المسجد الأقصى وصلّى بهم ركعتين. وأذّن لهذه الصلاة سيدنا جبريل، وكان هذا الأذان أول أذان رُفع. ومساحة الحرم الشريف في القدس، حيث تقع قبة الصخرة والمسجد الأقصى، تتسع من حيث الكمّ لـ 124.000 نبي تمامًا.
ويُروى في المصادر الصوفية أن نبيّنا ﷺ عُرج به أربعًا وثلاثين مرة، وأنه حين كان يعود من المعراج كان على رأسه تاج وعمامة خضراء، فكان الصحابة إذا رأوه بتلك الكسوة أدركوا أنه عاد من المعراج فهنّؤوه، وأن الخرقة الشريفة أيضًا أُلبسها في المعراج مع سائر الجهاز. وقد قال حضرة محيي الدين بن عربي في «الفتوحات المكية» في المعنى الذي يقابله الجهاز كالخرقة والتاج والعمامة ولبسها: «الخرقة عندنا إنما هي عبارة عن الصحبة والتربية والتأدّب وحسن الخلق، وتُسمّى لباس التقوى». وقال في كتابه «نسب الخرقة» عن «الخرقة»: «أصل هذا اللباس، على قدر ما ألقاه الله في سرّي ونفخه في قلبي، هو هذا: إن الله قد لبس قلب عبده». ذلك أنه قد ورد في الحديث القدسي: «ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن». وإن الآية الكريمة في القرآن الكريم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف، 26) وقول حضرة يونس إمره:
«ليست الدروشة التي يذكرونها خرقةً وتاجًا،
ومن جعل قلبَه درويشًا لا حاجة به إلى خرقة.»
كلّ ذلك يشير إلى المعنى ذاته. وفي الحقيقة، وبمقتضى الحديث القدسي «موتوا قبل أن تموتوا»، يدفن الدرويش نفسه في خرقته التي يصوّرها قبرًا، ويحقق هجرته الخاصة.
لمّا بدأت «الهجرة» - وهي اسم لملاحقة سرّ الوجود والعدم، بترك كل شيء، بسرّ القُربة الذي هو أصل الحكمة الفردية، في عزلة غار حراء ووحدته في جبل النور، والانتقال إلى ديار أخرى ووسط آخر، وحمل أعباء البشرية كلها من جديد من أجل الحق والحقيقة - بدأ في غار ثور، المحطة الأولى، عهد جديد يؤسس الحضارة ويعجنها.
في بداية الهجرة، حين لجأ نبيّنا ﷺ وسيدنا أبو بكر إلى غار ثور، قال كُرز بن علقمة، دليلُ المشركين الذين كانوا يتعقّبونهما وقائفُ أثرهم: «ها هنا انقطع الأثر». ففي غار ثور، ولحماية هذين الضيفين المباركين من المشركين، نسجت عنكبوت بإرادة إلهية على فم الغار، وبنت حمامتان عشّهما. وبعد مغادرة مكة في بداية الهجرة، وفي جبل ثور الذي مكثا فيه ثلاثة أيام، بدأ في هذا المكان الأول للحضارة الإسلامية عهد جديد، بنسيج العنكبوت الذي حدّ فراغ الغار. ولهذا، وبناءً على هذا السرّ، فإن أصغر مقياس للطول اختير وحدةً (الواحد القياسي) في الفن والعمارة الإسلاميين هو خيط العنكبوت المسمّى «تار عنكبوت». أما الحمامتان فقد بنتا عشّهما هناك من تلقاء نفسيهما، على نحو يذكّر بقصة سيدنا إبراهيم حين طلب اطمئنان القلب قائلًا: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾[4]. وكما عبّرت الآية: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت، 41)، كانت أمتن حماية تتحقق بأوهن شيء، وكان تسليم نبيّنا ﷺ: «يا أبا بكر! لا تحزن إن الله معنا» يتجاوز الزمن ويلقى جوابه على الفور.
إن سطور يحيى كمال التي كتبها في شباط/فبراير 1921: «لهذه الدولة أساسان معنويان: الأذان الذي أمر الفاتح برفعه من مآذن آيا صوفيا، وهو لا يزال يُرفع. والقرآن الذي أمر سليم بتلاوته أمام خرقة السعادة، وهو لا يزال يُتلى»، هي تعبير بديع عن كيفية انتقال الزمن المَعيش في الماضي إلى المستقبل وهو حيّ في «الآن». وهذان المعياران هما تصوّرا «الوحي» (القرآن الكريم) و«السنّة»، أعظم أمانة تركها النبي ﷺ للإنسانية، واللذان تشكّلت حولهما دائرة الحضارة الإسلامية.
أنت الذي عرّفتنا مَن هو الله،
ولولاك فمَن ذا الذي كان به عليمًا؟
فضولي
وفي هذا الإطار، فإن طريق الإيمان بالله هو الإيمان بالرسول الأكرم ﷺ، وهو غاية تقتضي معرفته معرفة يقينية، وأن يجعل الإنسان أفعاله وأقواله جزءًا من عالمه الخاص، وهو المقصد الحقيقي لحكمة الخلق. وكما أن المتعلّقين بالنبي ﷺ يحملون مسؤولية اتّباعه والخضوع لأوامره ونواهيه، فإنهم مكلّفون كذلك باتّباع سلوكه واتخاذه قدوةً يُحتذى بها.
والقرآن الكريم يربط مقياس محبة المرء لله باتّباعه النبي ﷺ واتخاذه قدوة أو عدمه، وقد بيّن الحقّ تعالى ذلك على لسان الرسول الأكرم ﷺ بقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران 3/31).
هذا العالم مرآة، وكل شيء قائم بالحق،
ومن مرآة محمد يتجلّى الله على الدوام.
ويذكر العالم الأندلسي ابن حزم أن من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، والحياة على الاستقامة، وحسن الخلق، والتحلّي بالفضيلة، فعليه أن يتخذ النبي ﷺ مثالًا[5]. والصحابة ومن جاء بعدهم من الأجيال، الذين رأوا أن الاقتداء بالرسول الأكرم ﷺ لا يتعلق بالأوامر الدينية وحدها، بل بالإجلال العميق لذكراه وبمشاعر الوفاء له، قد حفظوا الأشياء التي كانت للنبي ﷺ أو استعملها بعناية بالغة، كما استعملوها للاستشفاء والتبرّك[6].
وقد عقد الإمام البخاري (ت 256هـ/870م)، المعروف بكتابه «الجامع الصحيح» الذي يُعدّ أصحّ كتاب بعد القرآن الكريم، بابًا بعنوان: «باب ما ذُكر من درع النبي ﷺ وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه، وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يُذكر قسمته، ومن شعره ونعله وآنيته مما يتبرّك أصحابه وغيرهم بعد وفاته»[7]، وذكر فيه الفهمَ الدالّ على أن تعظيم الأمانات المقدسة علامة على محبة النبي ﷺ[8]. وقد حفظ عمر بن عبد العزيز في حجرة بجوار غرفته ما كان للرسول الأكرم ﷺ: فراشًا منسوجًا من ليف النخل، ووسادة من جلد حشوها ليف، وغطاءً من القطيفة كان النبي ﷺ يستعمله لحافًا وقد تشرّب رائحته فصار أطيب ريحًا من المسك، وصحفة كبيرة، وقدحًا للماء، وثوبًا، ورحى يد، وكنانة سهام، وكان من عادته أن يزورها كل يوم وأن يُزيرها من يأتونه.[9]
ومن الثياب التي لبسها النبي ﷺ تُحفظ في إسطنبول خرقتان تُسمّيان البُردة، وصلتا إلى يومنا هذا. إحداهما «خرقة السعادة» التي أهداها الرسول الأكرم ﷺ إلى صاحبه كعب بن زهير، شاعر قصيدة البردة، وهي معروضة اليوم في قصر طوب قابي؛ والأخرى التي أوصى النبي ﷺ بأن تُعطى لأويس القرني، والتي أعطت اسمها للجامع الذي توجد فيه بالفاتح، قد اشتهرت باسم «الخرقة الشريفة». ومن هاتين الخرقتين، اللتين يُستعمل اسماهما أحيانًا أحدهما مكان الآخر، فإن خرقة السعادة قد حظيت بمكانة واسعة في كتب الحديث والتاريخ لأن الخلفاء استعملوها علامةً على السيادة، أما الخرقة الشريفة فلم تحظَ بمكانة كبيرة في المصادر المكتوبة المبكرة لأنها كانت محفوظة لدى أفراد.
لا توجد في مصادر العصر المبكر معلومات كافية عن حياة أويس القرني في اليمن، ولا عن كيفية إسلامه، ولا عن حياته في الكوفة التي استقرّ فيها لاحقًا، ولا عن وفاته وشخصيته. ومع ذلك فإن المعلومات المحدودة الواردة في كتب الحديث والتاريخ والطبقات المبكرة اتّسعت بكتب المناقب العامة، وفي مقدمتها «تذكرة الأولياء» التي ألّفها فريد الدين العطار في أوائل القرن الثالث عشر، فأدّت إلى ظهور أدبيات واسعة عن أويس القرني. ومن هذه المعلومات، المهمة من حيث استكمال النقص في ما يتعلق بحياة أويس القرني وشخصيته وبيان كيف عرفه الناس، يُفهم أنه قبل الإسلام بواسطة المسلمين الذين ذهبوا إلى اليمن ليبلّغوا الإسلام. وكان أويس القرني، الذي يكسب معاشه في اليمن برعي الإبل، قد تمنّى كثيرًا بعد إسلامه أن يذهب إلى المدينة ويزور النبي ﷺ، غير أن وجود أمّه العجوز لم يتح له ذلك[10]. وفي أثناء ذلك سنحت له فرصة فاستأذن أمّه لمدة قصيرة وجاء إلى المدينة، لكنه لم يلتقِ بالرسول الأكرم ﷺ لأنه لم يجده في بيته ذلك اليوم، فاضطرّ إلى العودة إلى اليمن في اليوم نفسه، في حزن كبير وألم فراق، ابتغاءً لرضا أمّه.
قال النبي ﷺ: «لمّا عُرج بي إلى السماء السابعة، وبعد أن خاطبني الله ذو الجلال، أخذ خليلي جبريل بيدي وأدخلني الجنة. فرأيت فيها قصرًا من الياقوت الأحمر، وفيه صندوق هو وقفله من نور. فقلت: يا خليلي جبريل، ما في هذا الصندوق؟ فقال جبريل: فيه ما تفخر به أنت وأمتك من بعدك إلى يوم القيامة: خرقة الفقر. وفتح الصندوق، فأخرج منه خرقة الفقر وألبسنيها، وقال: يا رسول الله ﷺ! لقد أمرني الحقّ تعالى أن ألبسك إياها، فلا تعطها إلا لمن يستحقها.»[11]
في ليلةٍ كان قصرُ أمّ هانئ
قد صار سماءً لذلك القمر
فيا لها من ليلة! أمينُ الرحمة،
شيخُ حرمِ حريمِ الحضرة
كمثل بلالٍ صاحبِ العرفان،
نورُ الإيمان في جوف النور الأسود
كأنّ تلك الليلةَ ذاتَ المآثر الشريفة
كانت أويسَ القرنيّ، نورُه ظاهر
جاء يمرّغ وجهه في تراب القدم،
فكانوا مدعوّين إلى العُلا
حضرة الشيخ غالب
وقبل وفاة النبي ﷺ بوقت قصير خلع خرقته وسلّمها إلى سيدنا عمر وسيدنا علي، وأوصاهما بأن يعطياها لأويس القرني الذي جاء حتى المدينة ولم يتمكن من لقائه[12]. وفي خلافة سيدنا عمر حجّ أويس القرني، وبعد أن التقى بالخليفة استقرّ في الكوفة[13]. ويُفهم أن سيدنا عمر وسيدنا عليًّا سلّما الخرقة الشريفة إلى أويس القرني في المدينة أو في الكوفة، أو بالذهاب إلى قَرَن في اليمن، فأنفذا وصية النبي ﷺ[14]. وطلبُ سيدنا عمر الدعاءَ من أويس القرني بتوصية من النبي ﷺ، ومشاركتُه في صفوف سيدنا علي في معركة صفّين (37هـ/657م)، يدلّان على أنه كانت له صلة وثيقة بالخلفاء الأوائل. ومع أن الرأي الغالب أنه استُشهد في معركة صفّين التي كان فيها مع سيدنا علي، فإن هناك أيضًا روايات بأنه توفي في زمن سيدنا عمر أثناء غزوة إلى أذربيجان[15].
لقد صار حضرة أويس القرني رأسَ العشق والتسليم، بإيمانه دون أن يرى، وبالسماع دون أن يُخاطَب وجاهيًّا (وجهًا لوجه)، وبإخلاصه في مرتبة الإحسان. وأويس القرني، الذي قال فيه النبي ﷺ: «إن خير التابعين رجل يقال له أويس»[16]، يُعدّ من كبار التابعين المسمَّين «المُخضرَمين»، الذين أسلموا في حياة الرسول الأكرم ﷺ ولم يروه. ولأن أويس القرني رُبّي تربية معنوية دون أن يرى النبي ﷺ، ولأن نبيّنا ﷺ أوصى له بخرقته المباركة، فقد عُرفت سلسلة أويس القرني باسم «الأويسية»، كما مهّد ذلك لنشأة طريقة تُسمّى «الأويسية»[17].
وفي الثقافة التركية الإسلامية يُعدّ أويس القرني شيخَ حرفة صناعة المسابح، وكانت تُعلَّق في الدكاكين التي تُمارَس فيها هذه الحرفة لوحات مكتوب عليها: «بالبسملة يُفتح كلَّ يوم دكّانُنا / وحضرةُ أويس القرني شيخُنا وأستاذُنا»[18]. ومن الروايات المشهورة في الثقافة الشفهية أنه لمّا سمع بكسر أسنان النبي ﷺ المباركة في غزوة أحد، كسر من فرط محبته لنبيّنا ﷺ أسنانه الاثنتين والثلاثين، فأتمّ هذا العدد ثلاثًا وثلاثين مع سنّ الرسول الأكرم ﷺ. ومن التأويلات المتعلقة بالمسبحة أيضًا ما يلي: «لمّا كان النور الساطع النبوي لحضرة نبيّنا ﷺ، مَهبِط[19] أسرار الهدى، المتلألئ[20]، قد لمع في عالم الشهود هذا من ذاته الطاهرة نفسها، وكانت ذاته الطاهرة خلاصةَ الكون، فكانت بجميع خلاياها وذرّاتها منذ الأزل «تسبيحًا لله»، فإنه لم يستعمل المسبحة بنفسه، لكنه حثّ عليها قائلًا: «نِعمَ المذكِّر هي». إذ إنه لم يكن ينسى الذات الباري لحظة واحدة، فلم يكن به حاجة إلى التذكّر ولا إلى المذكِّر.»
إن أقدم السجلات المتعلقة بالخرقة الشريفة ترد في «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد (ت 230هـ/845م)، عالم الحديث والسيرة والتاريخ والأنساب (علم الأنساب)، وهو أول كتب الطبقات وأقدم ما وصل منها إلى زماننا، وفي كتاب «الجامع الصحيح» لمسلم بن الحجاج (ت 261هـ/875م)، الذي يُعدّ منذ العصر الذي أُلّف فيه، مع صحيح البخاري، أحد المصدرين الأوثق بعد القرآن الكريم. وفي هذه الكتب يسجّل أُسَير بن جابر، الذي يروي مناقب أويس القرني، المعلومات الآتية: «كان ثوبه من قماش مخطط. وكان كل من رآه من الناس لا يملك نفسه من أن يقول: تُرى من أين أصاب أويس هذه الخرقة (البُردة)؟»[21].
بعد وفاة أويس القرني، ولأنه لم يكن له وارث، انتقلت الخرقة الشريفة إلى أخيه شهاب الدين الأويسي. ثم حفظت الخرقة الشريفة الأسرة المنحدرة من نسله. وأقامت الأسرة مدة في العراق ومنطقة جنوب شرق الأناضول، وبعد بعض الأحداث السياسية التي وقعت هناك هاجرت في زمن زيور الأويسي، من الأسرة نفسها، إلى كوش أداسي واستقرّت فيها. ولا يُعرف على وجه الدقة تاريخ وصول الخرقة الشريفة إلى كوش أداسي. ومع ذلك فإن الأسرة كانت تلقى الإجلال دائمًا حيثما ذهبت، لوجود خرقة النبي ﷺ في أيديها، وكانت تحظى بمكانة كبيرة لدى الدولة والناس. وفي عام 1611، وبطلب من السلطان أحمد الأول، جاءت أسرة أويس من كوش أداسي إلى إسطنبول واستقرّت فيها. ومع وجود سجلات تفيد بأن الأسرة استقرّت في نواحي ياووز سليم، فإن المعلومة القائلة بأنها كانت تقيم في بيت يقع حاليًّا في الجهة الشمالية الشرقية من جامع الخرقة الشريفة قبالة مسجد آق سكي هي على الأرجح الأصح. ويؤكد ذلك ما هو معروف من أن الصدر الأعظم چورلولو علي باشا بنى لحفظ الخرقة الشريفة حجرةً من الحجر، وبنى بجوارها عمارة (تكية طعام) وسبيلًا. ومن المعروف أن الأويسيين الذين استقرّوا في إسطنبول كانوا يفتحون الخرقة الشريفة للزيارة في أشهر رمضان، أولًا في دار إقامتهم، ثم منذ أوائل القرن الثامن عشر في الحجرة التي بناها چورلولو علي باشا[22]. وبعد أن بنى السلطان عبد الحميد الأول في حيّ الفاتح، في الفناء الشمالي لجامع الخرقة الشريفة، حجرةً خاصة مؤلفة من غرفة واحدة (1780)، بدأت الخرقة الشريفة تُحفظ فيها[23]. وقد جدّد السلطان محمود الثاني عام 1812 هذه الحجرة المعروفة باسم دائرة الخرقة الشريفة الصغيرة أو غرفة الخرقة الشريفة القديمة. وقرّر السلطان عبد المجيد أن يبني جامعًا ومزارًا يليقان بشأن هذه الأمانة المباركة، فشيّد عام 1851 الجامع المعروف بالاسم نفسه. وتُحفظ الخرقة الشريفة في الفاتح، في غرفة خاصة فوق المحراب في الطابق العلوي من جامع الخرقة الشريفة، مع حزام حضرة أويس القرني، وقلنسوته ذات الأقسام الأربعة[24] المصنوعة من نعال النبي ﷺ الشريفة (البابوج المصنوع من اللّبّاد).
فلتزُرْه الأممُ، فهذا رداءٌ ثمنُه الروح،
وهذا عطاءُ المصطفى إحسانًا إلى جناب أويس.
مرِّغ على عتبته الشريفة وجهك الأسود متضرّعًا،
فهذا مقامُ الخرقة الطاهرة لحبيب الكبرياء.
عبد الرحمن شرف كوزل يازيجي
جامع الخرقة الشريفة مثمّن المخطط، مثل قبة الصخرة في القدس التي عُرج منها نبيّنا ﷺ إلى المعراج. و«الخرقة» التي أهداها إلى حضرة أويس القرني مؤلفة كذلك من ثماني قطع من القماش. ومع الآية الكريمة في القرآن الكريم: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (حملة العرش) (الحاقة، 17)، تذكر مصادر شتى أن للجنة التي زارها في المعراج ثمانية أبواب أيضًا.
الخرقة الشريفة هي الخرقة التي يُروى أنها كانت على نبيّنا ﷺ أثناء معراجه. وهي من حيث نقوشها وصنعها وتقنية إنتاجها ليست من «قماش منسوج» مثل خرقة السعادة في قصر طوب قابي، بل ذات تقنية تطريز متشابكة وصعبة ومعقدة، على نحو يجعلها موضوعًا للبحث العلمي. بل إن إمكان إنجاز تطريز بهذه الدقة اليوم أمر مشكوك فيه. وهذا أيضًا رأي خبراء النسيج أعضاء الهيئة العلمية أثناء صيانة الخرقة الشريفة.
يُذكر خطأً في كثير من المصادر أن الخرقة الشريفة من «الصوف». وكما ثبت في التحاليل المجهرية، فقد استُعمل فيها «الكتان والقطن والحرير» معًا. فبين قماشين من الكتان الرقيق النسج، تمرّ خيوط قطنية في هيئة آلاف القطع الصغيرة فوق بعضها وتحت بعضها فتُشكّل النقوش. ومن غير الإخلال بالنقوش المتشكّلة، رُبط القماشان المنفصلان من الكتان، السفلي والعلوي، أحدهما بالآخر بخيوط حريرية رقيقة حول الثقوب المُحدَثة على امتداد هذه القطع القطنية الصغيرة. وحول ثقوب التثبيت الدائرية نُسجت خيوط الإبريسم المشكّلة للحلقات على نحو متشابك ولولبي، حتى إن إمكان إنتاج قماش بهذه التقنية الطبقية وهذه الدقة اليوم، ولو باستعمال التكنولوجيا، أمر مشكوك فيه.
باطنُه محيطُ الوحدة، وظاهرُه صحراءُ الكثرة،
ومن رأى وجهَه رأى، فيظهر الحبيبُ بين الأغيار.
حضرة نيازي المصري
في الفحوص والتحاليل والدراسات المخبرية التي أُجريت بالمجهر المجسّم (الستيريو) والمجهر الضوئي على 26 عيّنة في قسم علم الأحياء الدقيقة والأحياء الدقيقة السريرية بكلية جراح باشا للطب في جامعة إسطنبول، لم يُعثر على أي بكتيريا أو فطريات، وثبت أنه لم يحدث أي تلف ناجم عنها على الرغم من مرور الزمن.
وإذا نُظر إلى خرقة النبي ﷺ في إطار الفن والعمارة الإسلاميين، فإنها تقدّم مفاتيح تتعلق بنشأة هذه الفنون. فمع فسيفساء قبة الصخرة في القدس والجامع الأموي في دمشق، وهما من أوائل آثار العمارة الإسلامية، ظهر عنصران زخرفيان امتدّا إلى العصور اللاحقة أيضًا. أولهما: الإحالة بأسلبة الأشكال الحقيقية، واستخدام الأشكال الطبيعية (الطبيعانية) في تراكيب مُؤسلَبة (لاطبيعانية)، وثانيهما: التنوّع المتّصل الذي يُحيل إلى اللانهاية[25]. ومنذ القرن الهجري الأول، بدأت الزخارف الهندسية المتشابكة (الجيومترية)، في صورها الناضجة التي اكتملت في وقت قصير، وفي أعسر تراكيب الهندسة، تُستخدم في جميع العمارة والفنون الإسلامية في سائر أرجاء العالم الإسلامي بما فيها الأندلس. وقد ظلّت كيفية ظهور هذا التنوّع الناضج في هذه المدة القصيرة موضع تساؤل دائم من منظور تاريخ الفن. وإن أولى نماذج الزخارف الهندسية التي تُحيل إلى اللانهاية، الماثلة على الخرقة التي أوصى بها النبي ﷺ وأهداها إلى حضرة أويس القرني، هي التي دفعتنا إلى التفكير في هذه المسألة.
إن التأليف والتركيب اللذين تُبرزهما الأعمال الفنية بوصفها ثمرة حضارة ما، والحقيقة التي تُحيل إليها، والموقف والأسلوب اللذين تشير إليهما، تصوّر وعيَ الكون، وإدراكَ العالم، والنظرةَ إلى الأشياء، وتصوّرَ الحضارة. وهذا العالم الذهني المشترك والشعور بالانتماء يعرّفان عالمَ الحضارة التي يُنتمى إليها. وبهذا ينعكس بناء الحضارة في صورة هويةٍ ونمطِ حياة.
فكما أن أصل الإنسان ليس من هذا العالم، شأنه شأن «الناي» الذي يشكو الفراق لأنه اقتُلع من منبت القصب، فإن الكعبة كذلك بناءٌ قدسيّ مشحون بالمعاني الباطنة للتوحيد والقدرة، وهي علامةٌ على العالم الآخر. وإن إعادة جعل الكعبة، أولِ معبدٍ للبشرية، قبلةً لسيدنا محمد ﷺ، والتحوّلَ إليها عمّا وُضع «قبلةً» في العهد الأول للإسلام أيضًا، أي المسجد الأقصى الذي كان قبلةً لأديان سماوية أخرى كاليهودية والنصرانية، لهو تأييدٌ إلهي لكون سيدنا محمد ﷺ «خاتم الأنبياء»، أي «آخر الأنبياء»، ولكون الإسلام «آخر الأديان الحقّة». وإن ابتداء معراج النبي ﷺ بحادثة الإسراء، وهي رحلته إلى المسجد الأقصى، ثم عروجه منه، إشارةٌ إلى هذه الحقيقة كذلك.
لقد أفرزت عقيدة التوحيد في الوحي الإسلامي إدراكًا فنيًّا يُستخدم فيه، عند إسقاط العالم المعنوي على الدنيا، لا أشكالُ المخلوقات، بل الهندسةُ والإيقاعاتُ والبُنى الأساسية التي تجد انعكاسها في جوهر المادة؛ إدراكًا يعبّر عن الكيفية والشخصية لا عن الكمية، وليس مشخَّصًا (محسوسًا) بل مجرَّدًا (تجريديًّا). والفن التركي الإسلامي، أبعد من أن يكون فنًّا مجرّدًا (تجريديًّا) يُضفي على المادة نُبلاً، هو إدراكٌ فنيّ ينسب «الكثرة» إلى «الوحدة» (أي الكثير إلى الواحد) بواسطة الأشكال والمتواليات الهندسية الرياضية بوصفها انعكاساتٍ للحكمة السماوية.
وحين يُدرَك الكون وجميع المخلوقات على هذا النحو بوصفها آياتِ الله، تغدو العلوم كالفيزياء والكيمياء والفلك وغيرها «حكمةً» تعبّر عن القداسة. ولهذا جاء في حديث: «الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها». فالإنسان، إذ يتفطّن إلى العلم الإلهي المحجوب في باطن الظاهر، يكتشفه ويبتكر أشياء جديدة. وفي الفنون الإسلامية إنما يأتي «المشخَّص» ليعبّر عن «المجرَّد». ومقابل ذلك في الأدب «المجاز» و«المضمون» و«الاستعارة». وفي الحقيقة فإن ما يُتأمَّل ليس الكون ذاته، بل ما فيه من إحساسات ونقوش، وجوهرُ النقش وحقيقتُه. وكل نقشٍ «آيةٌ» من آيات الله. ولذلك فُضّلت النقوش المستخدمة في الجوامع من حيث علاقة النقش بالنقّاش، والسبب بالمسبِّب. ولهذا تُتأمَّل الطبيعة لا مباشرةً، بل بالإشارة والإحالة. فوجود الإنسان، والوجودُ والأشياءُ بذاتها، هي أعظم الحُجُب (الستائر) بين «الحق» و«الحقيقة» وبين «الإنسان». ولذلك، بالإشارة إلى وراء الوجود (ما بعده)، ووراءِ الوراء (ما بعد ما بعده)، تُستَر «الفانية» (تُغطّى)، ويُحال حتمًا إلى «اللانهاية» و«البقاء». ويُراد من النقشِ النقّاشُ. والأشياء لا تُري الإنسانَ حقيقتها بالصورة التي تظهر بها، وإنما تصير جديرةً بالتأمل بعد أن تُجرَّد من ظاهرها وتُصفّى مما هو فانٍ. والمكان، بالنسبة إلى الإنسان العارف بغاية الخلق، نافذةٌ تنفتح على عالم اللامكان. والإنسان أيضًا مكانٌ احتوى اللامكان (انعدام المكان). والمكان تلميحٌ إلى الفراغ داخل الجدار، وإلى السيرة في الصورة، وإلى البقاء في الفناء (اللانهاية في العدم). وفي الحقيقة فإن الأشكال والأشياء والوجود كلّه مرآةٌ تعكس المادةَ على معناها، والصورةَ على سيرتها، والآفاقَ على الأنفس. والوجود أيضًا لا يكون «زمانًا»، بل يكون «آنًا». فـالزمان اعتباريّ، والأبعاد غير متناهية (لا نهائية)…
وقد أفضى هذا الفهم إلى الأسلبة (stylization) في الفنون الإسلامية بوعي التكثيف والتركيب والتجريد. ولذلك فإن الفنون التركية الإسلامية، بكشفها الهندسة الخفية الموجودة في الطبيعة، تقدّم إلى إدراك الإنسان، بأسلوب التجريد، العوالمَ الخفية التي سُترت بعناية في جوهر الأشياء والهندسةَ الكامنة في بنائها، وتُكسب الأشياءَ والظاهرَ والشخصيةَ والهويةَ معنًى وماهيةً تسمو فوق القيم. وكما أن صفاء البشر (اصطفاءه) قد بلغ كماله في برج الإنسانية سيدنا محمد المصطفى (المُصفّى، المختار) ﷺ، فكذلك يُنظر إلى الأشياء في حضارة الدين الذي جاء به من نافذة هذا الصفاء (الاصطفاء) والتجريد. ولهذا لم يوجد قطّ في الفنون الإسلامية الرسمُ والنحتُ والمسرحُ والروايةُ بمعناها الغربي —وهي تجلٍّ وترنّمٌ للكذب لا للحقيقة—. وبدلاً منها وُجدت المنمنمات والخط والتذهيب وفنون الفُرجة والحكايات. أي إنه قد اختير فهمٌ وإدراكٌ لا يمنح الشكلَ والصورةَ من القيمة إلا بقدر فنائهما، ويؤثر المعنى والسيرة. وهذه النظرة إلى الدنيا والأشياء في الحضارة الإسلامية وفنونها، وهي ثقافةٌ وحضارةٌ رفيعة، تعبيرٌ عن إدراك حقيقة الحياة والموت إدراكًا صحيحًا في ضوء التوازن بين الدنيا والآخرة، وعن أنه إلى جانب رفاهية البشرية، فإن سكينتها وسعادتها بالغتا الأهمية[26].
من المحبّةِ كان محمدٌ ثمرةً،
وأيُّ ثمرةٍ لمحبّةٍ بلا محمد؟
ثبت المراجع
أحمد يشار أوجاق، أويس القرني والأويسية، إسطنبول 1982؛
القرشي، ابن ردّاد شهاب الدين أحمد، تلخيص القواعد الوافية في أصل حكم الخرقة الصوفية، مكتبة السليمانية، رقم: 3747/11
ريتشارد إتنغهاوزن، Islamic Art and Architecture 650-1250، نيو هيفن ولندن، 2001.
فريد الدين العطار، تذكرة الأولياء (تحقيق م. أديب الجادر)، دمشق 2009؛
فكرت صاريجه أوغلو، صورة سلطانٍ بقلمه: السلطان عبد الحميد الأول (1774-1789)، إسطنبول، 2001.
خليفة بن خيّاط، الطبقات (تحقيق أكرم ضياء العمري)، الرياض 1982؛
هاشم كوبريلي [الأويسي]، الخرقة الشريفة وأويس القرني، إسطنبول 1975؛
حلمي آيدن، دائرة خرقة السعادة والأمانات المقدسة، إسطنبول، 2004.
ابن حجر، الإصابة (تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وآخرين)، بيروت 1995؛
ابن سعد، الطبقات الكبرى (تحقيق محمد عبد القادر عطا)، بيروت 1990؛
ابن الجوزي، صفة الصفوة (تحقيق محمود فاخوري - محمد روّاس قلعه جي)، بيروت 1979؛
المؤلف نفسه، الوفا بأحوال المصطفى (تحقيق مصطفى عبد الواحد)، القاهرة 1996؛
القاشاني، التأويلات القاشانية، أنقرة، 1987.
محرم حلمي شن ألب، «في ضوء مسألة الجامع: ماذا ينبغي أن تكون رؤية تركيا الثقافية والحضارية؟»، 2012.
مرتضى الزبيدي، عقد الجوهر الثمين (صورة نسخة محمد تاويت الطنجي)، مكتبة مركز البحوث الإسلامية (İSAM)، رقم 4622؛
مصطفى چاغريجي، «محمد ﷺ»، موسوعة وقف الديانة التركي الإسلامية (DİA)، 30، 445؛
م. بهاء تانمان، «جامع الخرقة الشريفة»، DİA، 17، 378-379؛
محمد سرهان طايشي، ملابس الطرق الصوفية، إسطنبول، 2006.
نبي بوزقورت، «السبحة»، DİA، 40، 531؛
المؤلف نفسه، «الأمانات المقدسة»، DİA، 31، 108-109؛
نجدت طوسون، «الأويسية»، DİA، 42، 400-401؛
الواقدي، المغازي (تحقيق م. جونز)، لندن 1965-66، الجزء الثالث، 1108-1109؛
الذهبي، سير أعلام النبلاء (تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين)، بيروت 1981-85؛
المؤلف نفسه، تاريخ الإسلام: عهد الخلفاء الراشدين (تحقيق عمر عبد السلام التدمري)، بيروت 1987؛
[1] إسماعيل حقي البروسوي، كتاب النتيجة، المجلد 1، ص 379.
[2] محمد سرهان طايشي، ملابس الطرق الصوفية، ص 235. ؛ ترجمة دلائل الخيرات، قره داود أفندي. وترد هذه الرواية كذلك في رسالةٍ لحضرة إسماعيل حقي محفوظة في مكتبة أيوب.
[3] محمد سرهان طايشي، المصدر السابق، ص 19-20.
[4] جاء في القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة، 260). فذبح إبراهيم عليه السلام تلك الطيور الأربعة امتثالاً للأمر الإلهي، وخلط لحومها وعظامها بعضها ببعض، وترك من ذلك الخليط على أربعة جبال أو سبعة جزءًا على كل جبل، وأمسك برؤوسها عنده. فلما قال: «أيتها الإوزّة والطاووس والغراب والديك، تعالَين إلى هنا!» انفصلت تلك الأجزاء في الحال واتّحدت بأجزائها، وجاءت إلى إبراهيم ساعيةً، واتصلت برؤوسها فعادت إلى حالها الأولى. ويقول حضرة مولانا (قدّس سرّه): «كانت تلك الطيور الأربعة هي الإوزّة والطاووس والغراب والديك، وكانت تمثّل أربعة أخلاق في البشر؛ فالإوزّة هي الحرص، والديك هو الشهوة، والجاه يشبه الطاووس، والغراب يشبه طول الأمل، فأملُ الغراب أن يكون خالدًا وأن ينال عمرًا طويلاً، وهو لا ينفكّ يرجو ذلك.» وذبحُ هذه الطيور الأربعة هو الانقطاع عن الأخلاق السيئة وعن أهواء النفس ونزواتها. ويقول عبد الرزاق القاشاني في كتابه «التأويلات القاشانية» في تأويل الآية المذكورة أعلاه بعبارات مشابهة: «إن إمساك إبراهيم عليه السلام برؤوس الطيور وحدها عنده معناه إماتةُ طبائع النفس وعاداتها، والحفاظُ على أصولها وحدها… فما دمتَ حيًّا بحياة هذه القوى فهي غير مطيعة لك، بل مستوليةٌ عليك متوحشة، تمتنع عن قبول أمرك. فإذا أمتَّها صرتَ حيًّا بالحياة الحقيقية التي هي الهبة بعد المحو والفناء، وصارت هي أيضًا حيّةً لا بحياتها ولا بحياة النفس، بل بحياتك أنت، فتغدو مطيعةً لك منقادةً لأمرك (خاضعة). وحينئذٍ إذا دعوتَها أتتك ساعيةً.»
[5] چاغريجي، DİA، 30، 445.
[6] البخاري، «الوضوء»، 33؛ «اللباس»، 66؛ المسند، 6، 348؛ مسلم، «اللباس»، 10؛ الواقدي، 3، 1108-1109.
[7] «فرض الخمس»، 5.
[8] الذهبي، أعلام النبلاء، 4، 42-43.
[9] ابن الجوزي، الوفا، 2، 555-556.
[10] الذهبي، أعلام النبلاء، 4، 29؛ ابن حجر، 1، 359.
[11] القرشي، ابن ردّاد شهاب الدين أحمد، تلخيص القواعد الوافية في أصل حكم الخرقة الصوفية، مكتبة السليمانية، رقم: 3747/11، ورقة: 155ب ؛ الشعراني، عبد الوهاب، الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، تحقيق: طه عبد الباقي سرور - السيد محمد عيد الشافعي، القاهرة، 1962، 1/50.
[12] فريد الدين العطار، ص 43.
[13] ابن سعد، 6، 204-207؛ خليفة بن خيّاط، ص 146.
[14] فريد الدين العطار، ص 43-44؛ الزبيدي، ص 27؛ كوبريلي، ص 11.
[15] خليفة بن خيّاط، ص 146؛ ابن الجوزي، 3، 56-57؛ ابن الأثير، 1، 177؛ ابن حجر، 1، 361؛ الذهبي، التاريخ، 556-561.
[16] المسند، 3، 480؛ ابن سعد، 6، 205.
[17] فريد الدين العطار، ص 49؛ الزبيدي، ص 24-29.
بوزقورت، DİA، 40، 531.
[19] مبهات: «من البَهْت؛ الدهشة والانبهار، المتحيّر، الواقع في الحيرة».
[20] تابناك: «لامع، مضيء، منير، ذو ضياء».
[21] مسلم، «فضائل الصحابة»، 225؛ ابن سعد، 6، 206.
[22] تانمان، DİA، 17، 378-379.
[23] فكرت صاريجه أوغلو، صورة سلطانٍ بقلمه: السلطان عبد الحميد الأول، ص 32.
[24] يقول يحيى آگاه أفندي في كتابه «فتوّة أسرار تاج السعادة والأدب»: «كان المنتسبون إلى الطريقتين القادرية والنقشبندية يلبسون كذلك "تاج الأدب وسكّة الذهب ذات الأهداب" ذات التَّرْكات الأربع، أي المكوّنة من أربع قطع من الجوخ وعليها عمامةٌ مطرّزة»، ويشرحون ذلك بقولهم: «إن "التَّرْكات الأربع" تدلّ على أسماء الله الأربعة التي يقال لها عناصر الأسماء، أي أمّهات الأسماء. فمقدَّم التاج يرمز إلى الاسم الشريف "الأول"، ومؤخَّره إلى الاسم الشريف "الآخر"، ويمينه إلى الاسم الشريف "الظاهر"، ويساره إلى الاسم الشريف "الباطن". ذلك أن الإنسان أوّلٌ باعتبار حقيقة نشأته، وآخرٌ باعتبار نشأة العناصر، وظاهرٌ بصورته، وباطنٌ بروحه. أي إن ذلك إشارةٌ إلى كونه في دائرة الإنسان الكامل.» وقد عُدّت «هذه التَّرْكات الأربع إشارةً إلى أن سالك طريق الحقيقة، بتجرّده من وجوده، يكون على مقامات "ترك الدنيا، وترك العقبى، وترك الهستي (ترك الوجود)، وترك الترك"»، وشوهد في بعض التيجان الشريفة أن عبارات «الشريعة، والطريقة، والمعرفة، والحقيقة» قد كُتبت كلٌّ منها على شريحةٍ من شرائح التَّرْك. و«المژگان» الموجودة في التيجان القادرية والنقشبندية تعني «الأهداب». والأهداب المضافة إلى حواشي السِّكّات بوصفها ستارَ حجاب تشير إلى أن السالك لا يرفع نظره إلى السماء، بل إن وجهه في صحراء السفر إلى الأرض، ونظره إلى قدمه، وقلبه عند محبوبه (يحيى آگاه أفندي، ملابس الطرق الصوفية، محمد سرهان طايشي، ص 41-54.)
[25] ريتشارد إتنغهاوزن، Islamic Art and Architecture: 650-1250، ص 19.
[26]محرم حلمي شن ألب، «في ضوء مسألة الجامع: ماذا ينبغي أن تكون رؤية تركيا الثقافية والحضارية؟»، 2012.
الكعبة، والعُقاب، والخرقة، والنفس الناطقة
«الخرقة» اسمٌ من الجذر العربي «خَرَقَ»، أي «مزّق، وثقب». و«الخارق» و«الخارق للعادة» في العربية بمعنى «ما يخرق العادة، الاستثنائي». وثمة صلةٌ كذلك بين كون الكعبة مستورةً بستار الحجاب المسمّى «الستارة» وبين «الخرقة». كما أن تغيير كسوة الكعبة يوم عرفة في «الحج» أمرٌ ذو دلالة.
إن كسوة الكعبة السوداء[1] هي ستار الحجاب لأسرار «الذات»، وغطاء الكنز المخفي، وعلامة النفس الناطقة المحمدية التي تستر ذنب الوجود المعبَّر عنه في الحديث القدسي: «وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنبٌ آخر». ولهذا كان النبي ﷺ «أمَّ الإنسان»، والقرآن الذي خوطب به «أمَّ الكتاب». وكما بُيّن في حديث، فإن «الإنسان والقرآن» لهذا السبب «توأم»، أي إنهما توأمان.
حين خُلق نورٌ أبيض (النور الأبيض) من النور الإلهي في قلب السواد المجهول الذي هو لون اللالون، صار «الكنز المخفي» (الكنز المستور)، أي المجهولية غير المعلومة، معلومًا. ولمّا كان ذلك المجهول غير المعروف قد شاء أن يُعرَف، ولمّا كانت إحاطة المجهولية وباطنها قد عُلما بالنور الأبيض، صار تجلّي المجهول وظهوره في شؤون العوالم يُعرَف بالنور الأبيض. والنور الأبيض المخلوق من النور الإلهي هو النور المحمدي الذي خُلق منه الكون كلّه والوجود بأسره. وكما خُلق النور الأبيض في الأزل في قلب المجهولية، فإن الكعبة ذات الستارة السوداء القائمة في وسط الحرم الشريف، والحجر الأسود، على الأرض التي هي قلب الكون المخلوق من ذلك النور، في مسقط البيت المعمور تمامًا، علامةٌ على سرّ الأزل الكامن في الأبد وفي الأبد. والكعبة والطواف، بكل رموزهما، في سياق الوصال إلى الله الذات المطلقة، هما بمثابة تفسيرٍ لآيتي «وإليه تُرجعون» و«وإليه المصير»، إذ يلوذ العبد عاريًا، ليس عليه إلا الإزار والرداء، بكبرياء الله وعظمته، على النحو الذي عُبّر عنه في الحديث القدسي: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي». وكان على النبي ﷺ أيضًا «إزارٌ ورداء» حين انتقل إلى رحمة الحق.[2]
[1] كما أن كسوة الكعبة سوداء، فإن «خرقة السعادة» المحفوظة في قصر طوب قابي، التي أُهديت إلى كعب بن زهير، و«العُقاب» الذي هو «السنجق الشريف» للنبي ﷺ، سوداوان كذلك. وكذلك فإن نور «النفس الناطقة»، المقام المحمدي، وهي آخر اللطائف السبع في التصوف، أسود. وفي علم الفلك (علم الهيئة) «العُقاب» اسم كوكبة النسر الواقعة شمال برج الحمل. ولكوكبة النسر ثلاثة نجوم لامعة، رُمز إليها لاحقًا في تاريخنا بالأهلّة الثلاثة. و«العُقاب» يرمز إلى الإيمان الكامل الذي يدرك الله من جهة الذات والصفات والأسماء والأفعال. ويُسمّى بالعربية «النسر الطائر»، وبالفارسية «شاهين ترازن» (الشاهين الخاطف). وأشدّ نجومها لمعانًا، المعروف باللاتينية بـ«ألفا»، يحمل في خرائط النجوم الأوروبية اسم «Attair» أو «Atair»، وهو في الثقافة الإسلامية «الطائر». وفي مقابله، في كوكبة «الشلياق»، يقع نجم «النسر الواقع» (النسر الهاوي) المعروف في الخرائط الفلكية باسم «Vega». ويُروى أنهما في الثقافة الإسلامية كنايةٌ عن «النبوة» و «الولاية»، أي عن «الرسالة».
والنسر ذو الرأسين، وهو رمزٌ قديم تبنّته عبر التاريخ ثقافاتٌ شتى من الحيثيين والرومان إلى الألمان والألبان، استُخدم لدى السلاجقة أيضًا «إشارةً إلى العُقاب» تعبيرًا عن كون النبي ﷺ سيّد الكونين. ويُروى أن أحد رأسيه يعني السيادة على الشرق، والآخر السيادة على الغرب. كما أُعطي معاني الإمساك بالدين والدولة، والفناء والبقاء، والدنيا والآخرة في جسدٍ واحد وفي آنٍ واحد، وإدارتها وإدامتها.
[2] البخاري، فرض الخمس، 5؛ مسلم، اللباس، 35.
زيارة الخرقة الشريفة وتقليدٌ عريق
الدستمال (المنديل)؛
« من المحبّةِ كان محمدٌ ثمرةً،
وأيُّ ثمرةٍ لمحبّةٍ بلا محمد؟ »
هو رمزُ محبّة النبي ﷺ لدى حضارةٍ تنسب محبّتها كلّها إلى نبيّها قائلةً ذلك.
كان الأشخاص المشمولون ببروتوكول زيارة خرقة السعادة في قصر طوب قابي يزورون الخرقة المباركة في اليوم الخامس عشر من رمضان بإشراف السلطان. فبعد تنظيف دائرة خرقة السعادة بماء الورد بمشاركة السلطان وإشرافه، تُجرى زيارة خرقة السعادة، وتُبسط المناديل على خِرَق النبي ﷺ دون حائلٍ بينهما، ويُقبَّل من فوقها، ثم تُحفظ تذكارًا للزيارة. ولم يكن يُقبَّل من الخرقة إلا ياقتها عند رأس الكتف الأيمن، فلا تمسّ الشفاهُ بذلك قماشَ الخرقة. وكانت هذه المناديل الرقيقة، التي تُعَدّ مسبقًا وتُطبع عليها بقوالب خشبية أبياتٌ وعباراتٌ متنوعة، يأخذها المقبِّلون ويحفظونها، ويحملها جميع أصحابها تقريبًا على رؤوسهم داخل العمامة أو الطربوش ونحوهما، ويوصون بأن توضع على صدورهم بعد الغُسل حين يموتون فتُدفن معهم. كما كانت تُغطّى بها أيديهما اليمنى المتماسكة في مراسم البيعة لدى بعض الطرق، أثناء إعطاء الشيخ الإنابةَ للمريد.
أما الخرقة الشريفة التي أوصى بها النبي ﷺ وأهداها إلى حضرة أويس القرني بواسطة سيدنا عمر وسيدنا علي، والتي يُروى أن رسول الله ﷺ لبسها في المعراج، فكانت تُفتح للزيارة من قِبل السلطانة الوالدة؛ وكان أركان الدولة العثمانية، بعد زيارتهم خرقة السعادة في دائرة الأمانات المقدسة بقصر طوب قابي، يأتون إلى جامع الخرقة الشريفة فيزورون الخرقة الشريفة.
وقد عُثر حتى اليوم على ثلاثة أنواع مختلفة من المناديل، وكُتبت عليها في أزمنةٍ مختلفة الأبيات والمقطوعات الآتية:
- 1. « خرقهٔ پاكِ رسوله مسح اولنمش دستمال
بوی فیض احسان ایدر پیراهنِ یوسف مثال »
«هذا المنديلُ الذي مُسح بخرقة رسول الله الطاهرة
يهبُ ما حوله روائحَ الفيض ، كقميص يوسف »
- 2. « خرقهٔ پاكِ رسولی وردِ صدبرگ ایت خیال
روضهسندن بر ورقدر اول گلڭ بو دستمال »
« تخيّلْ خرقةَ رسول الله الطاهرة وردةً متفتّحة،
فهذا المنديلُ ورقةُ وردٍ من روضة تلك الوردة.»
- 3. « خرقهٔ حضرتِ فخرِ رسوله
اطلسِ چرخ اولاماز پایانداز
یوز سوروب ذیلنه تقبیل ایدرك
قیل شفیع الامّمه عرضِ نیاز »
« إنّ خرقةَ حضرةِ فخرِ الرسل،
لا يكون أطلسُ السماء المليءُ بالأفلاك (بالنجوم) مقياسًا لها.
فامسحْ وجهك بطرفها وقبّلْه بإجلال،
واعرضْ رجاءك على شفيعِ أمّته. »








































